تحقيقات
تاريخ العدد 30/06/2007 العدد 10737
كلية الشريعة الإسلامية في جامعة طرابلس أبصرت النور عام 1982
الشيخ محمد رشيد ميقاتي: مناهجنا مستقاة من جامعتي دمشق والأزهر
وضعت جمعية الاصلاح الاسلامية في العام 1977 وضمن بيانها التأسيسي الذي صاغه آنذاك رئيسها الشيخ محمد رشيد ميقاتي تصوراً كاملاً لكلية الشريعة الاسلامية في لبنان، نظرا لافتقار لبنان لمؤسسة جامعية تقوم بتدريس الشريعة الاسلامية. وفي العام 1982 أبصرت هذه الكلية النور تحت اسم «معهد طرابلس الجامعي للدراسات الاسلامية» وذلك بالتعاون مع نخبة من المشايخ والعلماء وفاعليات طرابلس وفي مقدمتهم المغفور له المفتي الشيخ رامز الملك، وشقت الجمعية طريقها في التعليم الديني وبذل مجلسها الشرعي وهيئتها الادارية جهوداً مضنية في سبيل التطوير والتحديث والتوسيع، ووصولا الى إنشاء جامعة طرابلس، فحصلت على الترخيص بموجب المرسوم الجمهوري رقم 3484 تاريخ 15/10/,1986 وحصلت على اعتراف من لجنة معادلة الشهادات في وزارة التعليم العالي في العام .1991 وقد خرّجت هذه الكلية على مدار ربع قرن 355 متخرجا ومتخرجة من لبنان ومن عدد من الدول العربية والأوروبية والافريقية والآسيوية. انطلقوا في مجال الدعوة والتعليم والارشاد في المراكز الإسلامية وتدريس اللغة العربية في السجون وتوجيه الجاليات الإسلامية في بلاد الاغتراب، فضلا عن الإمامة والخطابة والقضاء والافتاء وأمانة الفتوى في مختلف الدول، والعمل في الشركات الإسلامية ومراكز الأبحاث والدراسات والفضائيات الإسلامية.
تقوم كلية الشريعة في طرابلس بتدريس مناهج مستقاة من جامعتي دمشق والأزهر الشريف وتجمع إلى جانب العناية الكبرى باللغة العربية وعلومها والمعارف الفقهية وأصول الفقه، كثيرا من المعارف المتعلقة بالمسائل المعاصرة وخصوصا في مجال الاقتصاد الإسلامي والأعمال المصرفية الإسلامية، والعلوم القانونية وطرق التدريس وجغرافية العالم الإسلامي وعلوم الأديان وفقه الدعوة والمعلوماتية. ويتراوح عدد الأساتذة في الكلية بين 15 و20 أستاذا بحسب المتفرغين منهم والمتعاقدين ممن تابعوا دراساتهم العليا في جامعة الأزهر بالقاهرة وجامعات المملكة العربية السعودية واللبنانية و دمشق ويتدرجون في نظام الترقية ما بين مدرس إلى أستاذ مساعد إلى رتبة أستاذ في اختصاصه.
ويعتبر رئيس المجلس العلمي في جامعة طرابلس رئيس جمعية الاصلاح الاسلامية الشيخ الدكتور محمد رشيد ميقاتي أن دور الإسلام هو إصلاح المجتمع بكل جوانبه التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية، وأن كلية الشريعة تلعب دورها في هذا المجال وتقدم كل ما من شأنه أن يخدم الدعوة الاسلامية.
ويقول الشيخ ميقاتي لـ«السفير»: إن مؤسستنا الجامعية صرح رسالي ومعرفي لا يبغي الربح، لذلك لا وجود لأقساط سنوية بل هناك مجرد رسوم نعتبرها رمزية جداً إذا ما قيست بما تتقاضاه كثير من مؤسسات التعليم العالي في لبنان والخارج فضلا عن مؤسسات التعليم ما قبل الجامعي، فالرسم السنوي يبلغ خمسمئة دولار أميركي يسدد على دفعات ويعفى منه كليا أو جزئيا من يعتبر معسراً وذلك بموجب قرارات صادرة عن هيئة إدارية مولجة بتوزيع المنح الجامعية، أما في الدراسات العليا فإن الرسوم تقارب الألف دولار أميركي تسدد على دفعات وتخضع أيضا لنظام المنح الجامعية.
وعما إذا كانت الجامعة تتلقى مساعدات من الخارج قال ميقاتي: طبعا نحن نتلقى مساعدات خارجية، ذلك أن كبريات الجامعات في لبنان تتلقى دعماً من الخارج ومن الداخل على الرغم من أقساطها الباهظة، فكيف بالمؤسسات الجامعية غير الربحية والتي تحمل هم النهوض بالمجتمع بكل فئاته نحو الأفضل والأمثل. وإن الصلات التي تربطنا بالعديد من المؤسسات الخيرية الإسلامية في المملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج وخاصة دولة الكويت وبعض المحسنين في لبنان والخارج كفيلة بالمؤازرة المالية لمؤسستنا الجامعية، إضافة إلى الرسوم الجامعية وإن كانت رمزية. أما بشأن التقديمات الجامعية التي يستفيد منها الطلاب فهي نظام وقف الكتاب الجامعي حيث تؤمن الجامعة استعارة الكتب والمراجع للطلاب المعسرين إلى جانب إهدائهم مجموعات من الكتب عند التخرج، كما يستفيد الــطلاب من نظام السكن الجامعي وفق نظام محدد.
وعما إذا كانت طرأت تعديلات على برامج الكلية منذ عدة سنوات وبأي اتجاه وهل ان البرامج قادرة على تلبية المطلوب من رجال الدين في هذا العصر؟ قال الشيخ ميقاتي: تخضع المناهج إلى مراجعة دورية وفقا للنهج الإسلامي الذي يمثله مجلس أمناء جامعة طرابلس والذي يضم نخبة من كبار علماء العالم الإسلامي وفي طليعتهم مفتي الديار المصرية سمــاحة العــلامة الدكتــور علي جمعة والعلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ومفتي حلب العــلامة الدكتــور ابراهيـم السلقيني والعديد من علماء العــالم الإسلامي، علماً أن مؤسستــنا الجامعية عضو فاعل في رابطة الجامعات الإسلاميـة بالقاهـرة والتي يرأسها الدكتور عبد اللـه التركي، كما أننا أعضاء في اتحاد العلماء المسلمين برئاسة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي. أما الرؤية الفاحصة والناقدة للبرامج فيقوم بها المجلس العلمي في كلية الشريعة الذي يضم نخبة من العلماء والأساتذة الجامعيين بحيث يكون الهدف تخريج علماء ودعاة على مستوى العصر متمكنين من تخصصهم وملمين بالواقع المعاصر يبلغون رسالات الله تعالى بأمانة ومسؤولية، ينصحون أئمة المسلمين وعامتهم، يبنون ولا يهدمون، يوحدون ولا يفرقون، يتعاونون ولا يتناحرون، ويحملون إلى جانب اختصاصهم في الشريعة الإسلامية إجازات أخرى في تخصصات إنسانية أو علمية تطبيقية لخدمة المجتمع، وخير الناس أنفعهم للناس.
الواقع والجهاد
وعن ماهية الطرح الذي تعتمده الكلية، وعما إذا كانت تركز على الفكر الجهادي قال ميقاتي: من المؤسف أن تستعمل عبارة «الفكر الجهادي» في العديد من وسائل الإعلام للدلالة على مضامين سلبية، أو ممارسات معينة يختلط فيها الغث بالسمين والصالح بالدخيل. في حين أن الشريعة الغراء شرعت أصولا وقواعد للجهاد الذي لا يصح تسميته جهاداً إلا إذا كان في سبيل الله. فمقاومة المحتل الاسرائيلي فريضة وواجب أما التقاتل بين أبناء الشعب الواحد وإراقة الدماء البريئة إثر الجرأة في الفتاوى الصادرة عن غير أهلها وفي غير محلها فإنها إبادة منظمة يشتهيها أعداء الإسلام الراغبون في تحويل الجهاد الشريف من جهاد ضد الغزاة المحتلين إلى تناحر يقضي على مقومات القوة والبناء والعمران في قلب الشرق الإسلامي تحديدا.
وعن رؤيته لواقــع العالـم الاســلامي والعــربي الراهن وواقع لبــنـان قال الشيــخ ميقـاتي: العالم الإسـلامي رازح تحت احتلال جيوش مختلفة، وإرادة أغلبيــة، ساسـته معتقلة ومرتهنة. وقد تعاقب على تمزيــق قوته إلى يومنا هذا أفواج وطلائع غزو فكري وعسكــري واقتصـادي، إلا أن من خصائص الإسلام انه دين الله الغالــب وأن مناعــته غير قابلــة للاختـراق، وبناء عليه فإن الأمة مدعوة إلى حسم مسألة انتمائــها وهــويتها الحــضارية قبل فوات الأوان، ذلك أن التذبذب والمراهنات على بضاعة الآخــرين الفكرية والثــقافية والسـياسية عاقبتها خســران العاجــل والآجل، ولا أدل على ذلك من الواقــع المريض الذي تعيشه مجتمعات الدول العربية التي تعتبر العمود الفقري للعالم الإسلامي من ارتفــاع مؤشــرات الفســاد والقفزات النوعية سـنوياً في سلم الفساد في تقارير التنمية الصـادرة عن الأمــم المتحــدة، فضلا عن السقوط الاجتماعي المتسارع في سلم القيم والفضائل والأخلاق حيث يتناوب على رعاية عملية الهدم المنظم سياسات إعلامية خبيثة ومنتجات تربوية مسمومة تستبيح الأمن الفكري والعقائدي للأمة على مرأى ومسمع كل المسؤولين. من هنا فإن دور الجامعات في تلقيح العقول بالرشد وتعزيز المناعة لدى جيل الشباب هام للغاية باعتباره مكابح تلجم السقوط في هاوية المادية الكاذبة والمزايدات السياسية الرخيصة والرعناء.
وعما إذا كانت الكلية تخضع لمراقبة جهة دينية أو مدنية رسمية أو هل جربت جهة ممارسة ذلك (مثلاً دار الفتوى) قال الشيخ ميقاتي: إن مؤسسات التعليم العالي في لبنان تخضع لرقابة ذاتية وتحمل كثير منها قدراً كبيراً من التعاون والتنسيق مع المرجعيات التي تنتمي وإياها إلى دين واحد، ولذلك حرصنا منذ بداية انطلاقة مؤسستنا الجامعية في عهد المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد على التشاور الدائم مع سماحته كونه راعياً لشؤون المسلمين فضلا عن كونه مؤسساً للكلية الشقيقة في بيروت التي أضحت الآن جامعة بيروت الإسلامية، كما نحرص على إطلاع سماحة المفتي الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني بشكل دوري على المسيرة الأكاديمية وقد جرى التقليد الجامعي على مشاركة سماحته سنوياً في حفل التخريج فضلا عن تقديم الاقتراحات المتواصلة لسماحته والتي كان من بينها اقتراح تأسيس مجلس أعلى لكليات الشريعة والدراسات الإسلامية في لبنان.
وظائف دينية ودنيوية
وردا على سؤال عما إذا كان الخريجون يتقاضون راتبا ملائما بعد تبوئهم وظيفة دينية وهل يعانون من صعوبات في تأمين عمل ومدى تأثير ذلك في الاقبال على الكلية قال الشيخ ميقاتي: لا ينحصر عمل الخريجين في الوظائف المسماة «وظائف دينية» باعتبار أن مجالات عملهم كما أسلفنا أوسع من ذلك بكثير وكلها تعتبر دينية أي تخدم الدين الحنيف. وإن كنا نطالب بتعزيز شأن الجسم الديني في الأوقاف الإسلامية وتقديم اقتراح قانون أو مشروع قانون يرمي إلى تحميل وزارة التربية رواتب معلمي القرآن الكريم والتربية الإسلامية وفق كشوف معتمدة رسمياً من المديرية العامة للأوقاف الإسلامية، ونأمل من المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى أن لا يدخر وسعًا في دعم هذا المشروع، إذ لا يعقل أن تنفق الدولة على التعليم وتهمل التربية الروحية التي هي أساس بناء المواطن الصالح القوي الأمين. من جهة أخرى فإننا لا نعتقد أن الخريجين الذين يعملون في التدريس في المؤسســات الخاصــة يجــدون أية صعـوبات في تأمين عملهم، فضــلا عن أن كثيــرا منهم أصبح قائما على مؤسسات تعليمــية تربوية رائدة. في حين أن متخرجين آخرين يتمتعون بأفضلية على كثير من زملائهم في التخصص نفسه نظرا لمستواهم العلمي المتميز في لبنان والخارج.
وعن المؤسســات المــشابهة التي يتــم التنـسيق معها وطبيعة هذا التنسيق وعما إذا كانت هـذه المؤسســات مغايرة طائفيــا قال الشيخ ميقاتي: التعاون قائم مع العديد من مؤسسات التعليم العالي في لبنان بما في ذلك التعاون الحواري مع العديد من المؤسسات المغايرة في المذهب أو الطائفة، مذكرين بأننا أعضاء مؤسسين في لقاء الكليات والمعاهد الدينية في لبنان الذي انطلق في بيروت عام 1997 والذي يضم مختلف الكليات الدينية من كل المذاهب والأديان.
|